26‏/10‏/2014

النملة والجندب أو ما سكتت عنه الحكاية

 انصرفت النملة ذات مساء كئيب من ليالي الشتاء إلى عد حبات القمح وثمرة شهور من الكد تحت أشعة الشمس الحارقة. كانت في الواقع سنة شحيحة الأمطار، والمخزن الذي ضاق فيما مضى بأنواع الخيرات، تصفر الريح اليوم بين جدرانه كأنها تسخر من الكومة الصغيرة من حبات الشعير.
أفاقت من ذهولها على طرقات تهز الباب. ولم يكن الجندب كما في القصة الشهيرة هو الطارق بل جنود سلطان الغابة والحيوان جاؤوا يستخلصون الضريبة. أخذوا كل شيء.
صحيح أن النملة ادعت بعد ذلك بيومين حسب بعض الشهود أن الجندب قد دق بابها في حالة يرثى لها من البرد والجوع، وأنها وبخته وأسمعته ما تيسر من حديث عن القيم. لكن شاهدا منهم وكانت نحلة مقربة من النملة تذكرت بمرارة كيف تورمت قبضتا النملة المسكينة وهي تهز بغضب عمودا ثبتت عليه صورة كبيرة وردية للجندب وهو يحمل كمانا ذا لون وردي أيضا، بمنافسة فوزه بجائزة السوبرستار للفن.
كان الحاكم الجديد للغابة كسولا خاملا محبا للسهر والمجون، يجمع الجنادب مع الضفادع والحمير في قصره في ليال حمراء متواصلة، ويغدق عليهم من مال تعرفه النملة. وكان يكره العمل ويكره النمل ويقسم في السر والعلن أن يدس في التراب رؤوسها الصغيرة العنيدة:
- إنها الشيطان.. وسأطمس ملامح الجدية المرعبة في وجهها. الحقودة العنصرية.
لم تكن سادية مجانية من طرف سلطان الغابة أو تصفية حساب مع ثائر معارض، فالنملة المسكينة وإن جلست في المقهى لفترة مع رفاق لها من نقابة حزب العمل إلا أن الجميع كان يشهد بمسارها اليومي من البيت إلى العمل ومن العمل إلى النوم.
لم ينس السلطان الجديد في الحقيقة قسوة النملة في تدريسه أيام اختار والده أن يعهد إليها بتربيته وتلقينه مبادئ العزم والمثابرة، ما يفسر بالتأكيد ما سبق من سلوك جباة الضرائب ويفسر كذلك ما تبقى من القصة.
فخيبة تلو أخرى، دب اليأس في قلب المسكينة واستسلمت للعبث. وعلى غير عادتها شوهدت وهي تتكئ بخمول على حبة فول وتشعل سيجارة وتعب من زجاجة بيبسي، ثم ترحل دون أن تواصل الحبة إلى المخزن.
- عيونها الملتهبة الحمراء والعصابة على رأسها! صدقوني لم يكن مشروبا غازيا. صرحت الخنفساء جارتها. كانت تصرخ إلى الفجر وتغني وتشتكي من صوت الجندب الذي يتواصل صيفا وشتاء ويفقدها صوابها.
ثم غابت النملة على الأنظار. وبالكاد استطاع آخر من رآها أن يتعرف عليها مع الذقن الطويل، قبل أن يلقى عليها القبض رفقة مجموعة من النمل تجر جثة جندب مدبوح وتعدم وتعلق في مدخل الغابة.

هناك 3 تعليقات: