25‏/08‏/2016

بدايات صغيرة


كان اليأس في السابق أملا شابا يتفجر حبا وطاقة لكنه ضاع في صحراء الواقع.. كاد يموت.. وعاش.
لينتقم ويقيم العدالة.
___________

- هيا احفر وكف عن البكاء! خاطب اليأس الأمل الصغير الذي غاب نصف قامته في الحفرة. ثم أخذ منه الفأس ووجه له ضربة جعلته ينحني ألما، وركل ظهره فتكور المسكين يئن في قاع القبر. شرع العجوز يهيل عليه التراب. جفف عرقه بعد دقائق، ثم فتح بتثاقل أزرار سرواله وتبول على شاهد القبر، وتطلع في الأفق الملتهب بكثير من الرضا والعزيمة..
لا تكل ولا تمل مدرسة الخير عن ارسال هذه الآمال الصغيرة الساذجة إلى أرض القلوب، لأن القلوب لا تعيش بغير الأمل. ولكن النجاح في الوصول إليها يتطلب عبور صحراء الواقع، ويحتاج منها المحافظة على الاصرار، ويحتاج أن تتجنب اليأس. وهذا ما كرره الخير في آخر دروس تكوين الفوج الجديد قبل ساعات على مسامع الرسول الجديد.
دخل الأمل الشاب حاملا إصراره على ظهره بعد ساعات من المسير حدود الصحراء، وكان التعب قد استبد به لما رأى الشجرة الظليلة والحديقة الصغيرة خلفها. واقترب.. واقترب. استطاع الشيخ أن يدعو الشاب إلى جلسة شاي واستراحة. وبعد مجاملات وصمت سأل الشيخ:
- إذن. أنت تؤمن أن القلوب التعيسة تنتظرك؟
- إنها رسالتي.
- إذا وصلت!! أنت يا بني واحد من المضحوك عليهم تؤدي بالنسبة لمن أرسلوك دورا في مسرحية،
لكن الحقيقة شيء آخر.
وتحرك الشاب في تلك اللحظة في مكانه كأن الحديث لم يعجبه، وقال إن عليه أن يرحل لولا أن أحس بدوار
غريب.
- هههه أنت أضعف مما تصورت. كان على الخير أن يقطع بنفسه هذه الطريق. بدأت أضجر من
هذه الحرب.
عندما تمكن الأمل الشاب من الوقوف أخيرا، أعاده اليأس إلى مقعده بكل سهولة، وربت على كتفه:
- عليك أن تنهي فنجانك.
- أشكرك. لا أعرف.. هذا الشاي ثقيل. بم تعده؟
- شاي الخيبة.
- أعوذ بالله. أجاب الأمل مفزوعا. كيف؟
- أنا أعيش بكم يا صغيري مثلما يفعل الخير. تنتهي مهمته بالكلام ويرسلكم. فأستقبلكم بالكلام. وتنتهي القصة. 
وتذكر الأمل شتلات الصغيرة الصغيرة خلف الشجرة وفهم أنها مقبرة. قام مترنحا يحاول الابتعاد.
- نسيت إصرارك وستموت.
- عليك اللعنة.
ورحل الأمل.
انتبه بعد ساعة عندما عاد إلى رشده (ولم يدر كم مر من الوقت ولا كيف فقد وعيه) إلى صوت سقوط شيء بجانبه،ورفع رأسه.. ورأى طوقا:
- هيا دعه في عنقك لأساعدك.
ثم عادا معا يجره الشيخ.

     

28‏/06‏/2016

المليونير

تساءل رواد مقهى السعادة الصباحيون عن سر الرجل البئيس الذي كان يجلس القرفصاء عند مدخل العمارة المقابلة. ظل الرجل في مكانه على الأسفلت حتى عندما تخلت عنه باكرا أشعة شمس الشتاء، وسلمته إلى برودة المساء، وبالكاد سمع بعض من دنوا منه كلمة إنني بخير، في حين أقسم الآخرون الذين رفع إليهم وجهه ورؤوا عينيه أنه مشروع مجنون. 
خرج من العمارة.. علق النادل. لقد أخرجوه. ثم لم يضف شيئا آخر. ولم يكن يعرف في الواقع شيئا آخر غير رؤيته لبواب العمارة وهو يدفع الرجل البئيس ليخرج. لذلك فقد اكتسى مدخل العمارة أهمية بالنسبة للمشفقين على الرجل وللفضوليين وللمارة، وتفحص الجميع البطاقات المعدنية الصفراء التي كانت تصطف عموديا على يمين الباب الكبير. كتب على السفلى طبيبة نساء وعلى الثانية محام ثم طبيب أسنان على الأخيرة.
كان السيد ابراهيم (وهو اسمه) واحدا من الناس العاديين الذين يمكن أن تلتقي بهم في الطريق، بل وممن سيبتسمون أو يبتدرونك بتحية الصباح والمساء. وإذا كان لا يحب رئيسه في العمل أو حماته التي يقطن في بيتها، فإن ذلك لا يجعل منه انسانا غير طبيعي، مثلما لا يجعله طول قامته البين ونحوله مخلوقا غريبا. ولن نبالغ إن قلنا أن السيد ابراهيم كان شخصا مسالما حد الضعف، يتقبل ملاحظات مديره مثلا بكثير
من سعة الصدر نفسها التي يتحمل بها الكلام المسموم لحماته عندما يعود إلى البيت. يتمدد ابراهيم في المساء بطوله ليشارك العجوز وزوجته تتبع مسلسل تلفزي تافه يكرهه. يفكر في البداية بتفاهة اهتماماتهما، ثم لا يلبث أن ينخرط في التعليقات وكفه تمتد إلى صحن الذرة.. وتمضي الأيام والليالي. لكن صباح الخامس من أكتوبر جاء ليقلب الموازين، وابراهيم يتوصل بمراسلة من أحد المحامين تخبره عن إرث كبير من أحد أقاربه.
انصرف بتثاقل عندما حل الظلام أغلب زبناء المقهى وهم يتحسرون لعدم تمكنهم من معرفة سر الرجل، ورمقوا الباقين بنظرة حسد لأنهم
سيعرفون القصة. أغلق البواب باب العمارة فرفع ابراهيم رأسه الذي كان يحشره بين ركبتيه. انتبه عندئذ إلى قطع النقود التي تجمعت عند قدميه. تناول منها حفنة وهو يضحك، فتحركت أعناق المتابعين وجفونهم تتحقق من المستجد. سمح ابراهيم وببطء شديد كما في الأفلام لقطع النقود لتسقط الواحدة تلو الأخرى، وأخذ حفنة أخرى ثم وقف:
- أنا مليــــــونيـــر
صرخ الرجل، وتقدم ليعبر الشارع دون اكتراث للسيارات والسائقين، ولكنه توقف وسط الطريق عندما تناهى إلى سمعه سبابهم له، وقذف
باتجاههم ما بكفه من نقود. ممكن؟ سأل صاحب أول طاولة في المقهى كأنه يطلب إذن مشاركته كأس الماء، ولكنه رفع الكأس وأفرغه في جوفه وعلى جنبات فمه وبذلته.. ورحل بخطوات متباعدة.
ظل السيد ابراهيم طيلة يومين من تسلمه الرسالة شاردا يفكر، ولم يهتم لمديره ولا لزوجته ومضايقاتهم له. وفي صباح اليوم الثالث طرق باب غرفة المدير، فكان استقبال هذا الأخير باهتا شأنه شأن كل المتكبرين. دنا منه ابراهيم في تلك اللحظة، وطبع على خده السمين صفعة تردد صداها في كل أرجاء الادارة ممزوجا بتهديدات المدير. لقد قدم ابراهيم استقالته. وعاد إلى البيت حيث استقبلته حماته لسوء حظها كذلك بسيل من أساليبها الماكرة في الاستهزاء.. فنالت حظها من كرمه ذلك اليوم. قال إنها بقرة وأكلت ماضيه وحاضره ولن يسمح لها بهضم مستقبله. ثم رحل.
كاد ابراهيم يطير فرحا وهو يصعد سلم العمارة قاصدا مكتب المحامي.. وانتظر منشرحا دوره ليقابل صاحب البشارة الذي سيفتح له على مصراعيه باب حياة جديدة ترمم ما بقي في روح الرجل الخمسيني من أمل وحلم بالسعادة. ثم جاء دوره. وبين أخذ ورد ومجاملات وترحم على روح الفقيد، سكت المحامي فجأة واختفت أو تضاءلت بسمته. تحدث الرجل عن عما سماه تفصيلا بسيطا.. تعوذ معه في سريرته ابراهيم من سوء المنقلب. ليتضح أنه شرط:
أن يكون الوريث قد استقر ما لا يقل عن ثلاث سنوات من الزواج والعمل. وانتهت المقابلة وتحطم الحلم وضاعت حياة ابراهيم..
وإذا ما رمتك الحياة يوما ما لتمر بجانب مقهى السعادة، أو غير بعيد عنها في السوق القريب، فلابد أن تحتاط من رجل طويل رث الهيأة القامة يصفع الناس، أو يمد أصبعيه ليتسلم سيجارة. أو ربما يصعد برفقتك سلم العمارة المعروفة، إذا تمكن من مراوغة البواب.. وقد يبتسم لك ويحدثك عن ملايينه وهو يقدم إليك ورقة قديمة عليها موعد الخامس من أكتوبر لمقابلة المحامي.  
    

              
    


     

27‏/06‏/2016

أرق


أغمضت عيني وحرصت على أن لا أتحرك كما تنصح بذلك إحدى حيل النوم. انزعجت في نفس الوقت من نسيان المدة المطلوبة لهذا التمرين، وقدرت أنها بين خمسة و عشر دقائق. على العموم، إذا تعدت ذلك فلن تكون ذات جدوى: الميت وحده من يستطيع البقاء دون حركة.بدد صوت قطرة ماء هدوء المكان، ونسفت الحرارة ما تبقى من طقوس النوم وهي تتسابق مع ضوء النهار. رسم هذا الأخير مستطيلين باهتين على جدار الغرفة، كرمز لنجاح الاجتياح الصباحي.
وصلني صوت القطرة الثانية وأنا أقنع نفسي على مضض بأنني تخيلت الأولى، وتوجه تفكيري بعد ذلك لتقدير حجم القطرة ومصدرها ثم وثيرة تساقط القطرات، ما جعلني لا أسمع الثالثة. وكمحاولة أخيرة لإنجاح الطقس، توصلت لفكرة أن أستعين بموسيقى القطرات المتباعد لأنام، إلا أنني فشلت مجددا بسبب القدم اليمنى التي تحركت لتحك أسفل اليسرى.
توجهت أخيرا إلى المطبخ لاحكام إغلاق الصنبور، وألقيت بالمناسبة نظرة من خلف الدفة الخشبية للنافذة على الشارع حيث كانت الشمس قد شرعت في طبخ اليوم الجديد. كانت الساحة خالية إلا من كلبين، أحدهما جرو صغير ينفرد بوليمة، بينما وقف الآخر غير بعيد عنه يلحس أنفه.. قبل أن يدور نصف دورة وينظر إلى الحائط منتظرا دوره أو ليتجنب النظر إلى الشمس.. أو يتجنب استفزاز الصغير الذي كان يتعمد الالتفات إليه وفمه يطحن عظمة لذيذة. كيف منعه الجرو الصغير حصته في الطعام؟ هل هي كلبة والجرو صغيرها؟ ما أقسى حياة الكلاب!

17‏/11‏/2015

عمك هو جيبك

إن لم تكن من أهل القرية، فأنت بلا شك ستحسبه وسط الظلمة كيسا للقمح أو علبة كرتون فارغين إلى جانب الفوضى في سلعه داخل الدكان الضيق الصغير. ثم ينتبه لوجودك، أو يقدر لحكمته ولشغب فيه قديم مائة سنين بأنك زبون قد قضيت
ما يكفي من الانتظار لتستحق لقب مشتر جدي، وتستحق بالتالي أن يطل عليك برأسه كالقطط الكسلانة قبل أن يصطنع الاهتمام ويقفز، ثم يهرول بعرجته إليك.
صحيح أن أغلب سلعه كانت منتهية الصلاحية لكن حالة جيوبنا كانت أقدم من سلعه ذاكرة بآخر مبلغ محترم ضمته، واحترمت
الأقدار الاتفاق الغريب ولم يمت منا أحد بتسمم.
عندما يعرفك با هشوم. فسيكون من حقك أن تدخل الدكيكين، وتأخذ ما شئت ولا تدفع ثمنه.. ويمكنك وأنت تغادر أن تركله في خاصرته.
- عمي بغيت واحد ال..
- عمك هو جيبك.
وقد يسمعك اللازمة وهو يهرع إلى البئر القريبة التي لم يعد يستعملها غيره ليعد لك شايا تعافه. شاي لا تشربه لو خيرت، لكنك تأخذه منه وتشرب لسحر في الرجل.. لتتعلم شيئا عن الوجود والاستسلام للصحراء المترامية الأطراف، وكيف تتمدد هكذا لساعات وتنصهر داخل الديكور. وقد يكرمك ويخرج زجاجة بيبسي من سلة تبن وروث وماء، ولا يفهم الفرق بين الانسان والحيوان وأنت تسأله إن كان ما خالط التبن روث بقر.
هل ركب باهشوم كما روى أحدهم بعد عشر سنين دراجته فلقي حتفه في حادثة؟
أضحك وأعلق أنه يستحق. وأرفض مع الراوي ونتفق أن هذا لا يهم. كلها نهايات. لا لا عمي لا يموت؟!
ويعلق من قعر الغياب بوجه بوباي*:
- عمك هو جيبك

بوباي شخصية كارتونية

حصان

يقف الحصان في طرف من ساحة المدينة. يشتكي في العادة من ضجيج الشوارع والبنايات التي تحاصره، لكن نظرته تبقى مركزة على غابة صغيرة أمامه وجدول مياه ضئيل لا يعرف كيف تحديا مثله الاسمنت. يفكر ان ليس عليه سوى عبور الشارع للقائهما ولقاء الطبيعة امه.. ولكنه لا يتحرك.
تسلخ شمس الصيف جلده والغبار، فيأتي الشتاء ليعيد اليه بعضا من ألقه.
يقترب منه كلب متشرد فيقطع سلسلة تفكيره اليومية. مخلوق ثالث غريب عن المدينة، قد نصبح صديقين صاح الحصان:
ما رأيك؟
دنا منه الكلب اكثر ورفع احدى قائمتيه الخلفيتين وتبول. ثار الحصان وكاد ان يرفس الكلب الوقح، ولكنه لم يتحرك هذه المرة ايضا.
تعال. هيا قف بجانبه لآخذ لك صورة!
ابتسم الحصان لاول مرة. قد تساعدني هذه الاسرة السعيدة لاعبر الشارع.
اقترب! خاطب الحصان الطفل الصغير المتردد. عنذئذ صفع الوالد الحصان:
انظر. انه ليس حقيقيا. انه من تمثال من حجر.

07‏/12‏/2014

قصة العلم والإيمان

تتقدم القافلة ببطء بين أشجار الغابة عند سفح الجبل، وتتصاعد أصوات بكاء الصغار وشكواهم من حرارة الظهيرة والحركة الرتيبة على ظهور الدواب. تخفق أجنحة طيور الحجل وتتوجس السحالي وتدير عيونها وينكسر الهدوء ليقضي على ما تبقى من جلد الكبار فيصبون غضبهم على النسوة وما شرد من القطعان.
ينتفض الكاهن في تلك الأثناء ويتوقف عن التقدم (أوقفه غصن شجرة علق بثوبه)، يرفع دراعيه وينخرط في حركات أقرب إلى المسرح منه إلى ما نواه من طقوس، ويصيح:
- إشارة من السماء!
يعم القافلة الهدوء ويتابع الجميع اقتراب الحاكم الذي أخذ كل وقته مستمتعا بالسكينة وبفكرة أن الجميع ينتظر حكمه. جال ببصره بين البئر والكهف وخصوبة الأرض ثم ابتسم:
- ظل بارد كريم وأرض طيبة. سنبيت هنا الليلة. ثم شرعت عيناه في البحث عن وجه:
- ما رأي عالمنا؟
رفع الشاب حاجبيه وقلب شفتيه في تعبير عن تردده أو عدم رضاه على التأخر في استشارته ورد:
- لا أعرف.. والصخرة الكبيرة في الأعلى؟ سأعود إلى أوراقي وأتسلق الجبل.
ضحك الصغار وتفرقهم لاكتشاف المنطقة وأصوات البهائم التي عبرت عن عطشها لم يمنع سمع الشاب عن التقاط تعليق الكاهن الغاضب:
- أحدثه عن السماء فيحدثنا عن كتبه.
- أتمنى - رد العالم- أن تعيش بعد أن تبيدكم الصخرة عند سقوطها لتشكر سماءك.
في الليل، والنار تتوسط قادة القبيلة أخرج الشاب كيسا يحوي ترابا وبسط أوراقه. واحتد نقاش تسقط ولن تسقط.
تزامنت تلك الفترة من تاريخ القبيلة بعودة الشاب من رحلة تعلم طويلة قادته إلى بلدان أخرى، عاد بعدها وقد طال شعره حتى تجاوز كتفيه على عكس الرؤوس الحليقة للقوم، وعاد يلبس السراويل بدل البرنس. وتفجرت رهانات قوية كادت تقسم القبيلة بينه وبين الكاهن انتصر رأيه في أغلبها:
عاش بفضله المواليد الجدد من الناس والقطعان، وعاش المصابون باللدغات والأمراض. وانسحب الكثير من صبيان القرية من حلقة الكاهن ليلتحقوا بدروس الشاب. أما الرهان الجديد فكان أجل سنة كاملة، يترك أحدهما القبيلة في حالة سقوط الصخرة أو ثباتها.
مر شهر وشهران وثلاثة وأربعة ولم تسقط، ولم تسقط الصخرة بعد انقضاء الأجل. سقطت في الواقع صخور أقل بكثير منها حجما وقتلت العشرات من أفراد القبيلة والكثير من الدواب.. لكن الجميع وبتأثير من تعاظم سلطة الكاهن طالبوا الشاب بالرحيل ولم يفعل.
واستيقظ الشاب ذات ليلة على وقع جلبة وأضواء تقترب من خيمته. ضربوه وحلقوا شعره وعروه، ووجهوا إليه تهمة لعنة السماء المتمثلة في الصخور الصغيرة. وزعم الشهود أنهم رأوه يدفع الصخرة الكبيرة.

26‏/10‏/2014

النملة والجندب أو ما سكتت عنه الحكاية

 انصرفت النملة ذات مساء كئيب من ليالي الشتاء إلى عد حبات القمح وثمرة شهور من الكد تحت أشعة الشمس الحارقة. كانت في الواقع سنة شحيحة الأمطار، والمخزن الذي ضاق فيما مضى بأنواع الخيرات، تصفر الريح اليوم بين جدرانه كأنها تسخر من الكومة الصغيرة من حبات الشعير.
أفاقت من ذهولها على طرقات تهز الباب. ولم يكن الجندب كما في القصة الشهيرة هو الطارق بل جنود سلطان الغابة والحيوان جاؤوا يستخلصون الضريبة. أخذوا كل شيء.
صحيح أن النملة ادعت بعد ذلك بيومين حسب بعض الشهود أن الجندب قد دق بابها في حالة يرثى لها من البرد والجوع، وأنها وبخته وأسمعته ما تيسر من حديث عن القيم. لكن شاهدا منهم وكانت نحلة مقربة من النملة تذكرت بمرارة كيف تورمت قبضتا النملة المسكينة وهي تهز بغضب عمودا ثبتت عليه صورة كبيرة وردية للجندب وهو يحمل كمانا ذا لون وردي أيضا، بمنافسة فوزه بجائزة السوبرستار للفن.
كان الحاكم الجديد للغابة كسولا خاملا محبا للسهر والمجون، يجمع الجنادب مع الضفادع والحمير في قصره في ليال حمراء متواصلة، ويغدق عليهم من مال تعرفه النملة. وكان يكره العمل ويكره النمل ويقسم في السر والعلن أن يدس في التراب رؤوسها الصغيرة العنيدة:
- إنها الشيطان.. وسأطمس ملامح الجدية المرعبة في وجهها. الحقودة العنصرية.
لم تكن سادية مجانية من طرف سلطان الغابة أو تصفية حساب مع ثائر معارض، فالنملة المسكينة وإن جلست في المقهى لفترة مع رفاق لها من نقابة حزب العمل إلا أن الجميع كان يشهد بمسارها اليومي من البيت إلى العمل ومن العمل إلى النوم.
لم ينس السلطان الجديد في الحقيقة قسوة النملة في تدريسه أيام اختار والده أن يعهد إليها بتربيته وتلقينه مبادئ العزم والمثابرة، ما يفسر بالتأكيد ما سبق من سلوك جباة الضرائب ويفسر كذلك ما تبقى من القصة.
فخيبة تلو أخرى، دب اليأس في قلب المسكينة واستسلمت للعبث. وعلى غير عادتها شوهدت وهي تتكئ بخمول على حبة فول وتشعل سيجارة وتعب من زجاجة بيبسي، ثم ترحل دون أن تواصل الحبة إلى المخزن.
- عيونها الملتهبة الحمراء والعصابة على رأسها! صدقوني لم يكن مشروبا غازيا. صرحت الخنفساء جارتها. كانت تصرخ إلى الفجر وتغني وتشتكي من صوت الجندب الذي يتواصل صيفا وشتاء ويفقدها صوابها.
ثم غابت النملة على الأنظار. وبالكاد استطاع آخر من رآها أن يتعرف عليها مع الذقن الطويل، قبل أن يلقى عليها القبض رفقة مجموعة من النمل تجر جثة جندب مدبوح وتعدم وتعلق في مدخل الغابة.

04‏/08‏/2014

فر من الأسرار فرارك من الأسد


فر من الأسرار فرارك من الأسد، هي النصيحة التي يزداد تأكد العلماء منها يوما بعد يوم. والأمر الأهم هو أن طبيعة الإنسان غير مهيأة للحفاظ على الأسرار. طبعا مع مراعاة نوعية الأسرار: مهمة أو أقل أهمية، تتعلق بالشخص وحياته أم بالآخرين.. لا يمكن للإنسان حسبما عبر عنه فرويد منذ عقود حفظ السر. إذا سكتت الشفاه فإن الأصابع ستثرثر.. سيتسرب السر عبر مسام الجلد.
طلب من مجموعة من المتطوعين عام 2013، في دراسة أجراها باحثون أمريكيون، ألا يبوحوا ببعض الأسرار الشخصية عن حياتهم الجنسية.. وكانت النتيجة ملاحظة ضعف في التركيز عند هؤلاء، وسلوكات عدائية، مع تراجع للتحمل البدني. بينما كشفت دراسة أخرى 2012 عن خلل أو صعوبة عند آخرين في تقديرهم للمسافات. كل شيء بالنسبة لهم كان أبعد من مكانه الحقيقي.
قد ينجح البعض في هذه المهمة، وهم على الأرجح "نخبة" قليلة جدا، لا تتسلل الأسرار إلى تفكيرهم، وقد يصلون لدرجة أن يخفوا هذه الأسرار عن أنفسهم.
تشغل الأسرار عند محاولة إخفائها مساحة كبيرة في الدماغ، وكلما زاد التفكير في منع تسللها كلما أثارت الفوضى في الرأس. ما يترجم بصفة مباشرة إلى مشاكل صحية: آلام في الرأس والظهر، غثيان، ثم الوحدة والاكتئاب..
والحل؟ الكثير من البوح والتعبير والكتابة. ذلك ما كشفته 1989 جلسات مع مجموعة من العائدين من معسكرات الاعتقال، تحدثوا أمام كاميرات التسجيل عن معاناتهم، وعن ذكريات أليمة لم يكشفوها قط. بعد شهور من حصص الاستماع تلك تحسنت أحوالهم الصحية.

27‏/07‏/2014

مبادئ

كان أول من لان رأسه، وقبل أن تمر على أطرافه وظهره العجلة الكبيرة. أتقن الانحناء وتقنيات الزحف، لكنه ظل يصرخ كلما حان موعد تجديد مرونته:
- حذار.. إلا الرأس!
فتضحك الممرضتان:
- يا لثباته

18‏/07‏/2014

رسالة من سانتا كلوز





اعتاد الكاتب الروائي الانجليزي مؤلف "سيد الخواتم" جون رونالد رويل تولكين عند نهاية كل سنة، أن يجلس إلى الطاولة ويكتب رسالة من نوع خاص إلى أبنائه. على لسان صديقهم سانتا كلوز:

من قمة العالم
القطب الشمالي
الخميس 29 دجنبر/كانون الأول 1928
أعزائي الصغار
عيد ميلاد جديد. زاد عمري سنة وأنتم كذلك. لا أزال بصحة جيدة- كان لطفا من مايكل سؤاله عن حالتي- أرتجف الآن أقل، لأنهم أعادوا الدفء والإنارة بعد السنة الباردة والمظلمة 1927. تذكرونها؟
كنا قد بدأنا في إخراج الجزء الأول من الطرود من المخازن، لننقلها إلى الأعلى، عندما قرر الدب القطبي أن يضع حزمة على رأس، ويحمل أغراضا أخرى بين دراعيه.
بينغ بانغ بوم! آهات فظيعة وشكوى.
ركضت لأرى. كان قد تخطى درجات السلم ووقع على أنفه، مخلفا وراءه الكرات التي تدحرجت والعلب وباقي الهدايا. بعضها تكسر وأتمنى أن لا يصلكم بعضها عن طريق الخطإ.
خرج مسرعا عندما نهض، ورفض المساعدة في جمع ما تساقط، لأنني جلست على السلم وضحكت لأن الخسائر لم تكن كبيرة. ولنفس السبب ابتسم بدوره القمر.
حسنا.. أتمنى أن يروقكم ما سأحمله إليكم: كل ما طلبمتوه تقريبا، وأشياء أخرى لم تطلبوها فكرت بها في الدقائق الأخيرة. آمل أن تتبادلوا اللعب: عربات القطار والمزرعة وحيواناتها، ولا تفكروا أن كل واحدة منها ملك لمن وجدها بين ذراعيه صباحا.. وحافظوا عليها جيدا. إنها من أفضل ما وجدت.
قبلة لكريس وقبلة لمايكل. ثم واحدة لجون، لقد كبر بالتأكيد ما دام قد توقف عن مراسلتي. آمل أن تعجبه اللوحات التي اختارها الدب القطبي. يقول إنه يعرف ما يحبه جون، لأن جون يحب الدببة.
محبكم المخلص سانتا كلوز
مع تحيات الدب القطبي


16‏/07‏/2014

شائعة ولكن..






أن يقف الواحد منا على اقتباس ملفق في عالم النت أمر يتكرر كل يوم تقريبا.. وعلى أفكار لا يعرف كيف تحولت إلى حقائق. لكن ثمة اقتباسات لا يداخلنا الشك فيها، وقد تضمنتها نصوص ومقالات حتى راج التعامل معها على هذا الأساس.

"قد لا أتفق مع أي شيء تقوله لكني مستعد للموت في سبيل أن تقول ما تريده"
فولتير
سياق العبارة جاء في رسالة من الكاتب إلى أسقف 1970. والحقيقة أن الرسالة موجودة بالفعل، لكن لا وجود للعبارة بين أسطرها، ولا حتى معناها. ما عبر عنه فولتير في الرسالة هو أنه وجد نفسه مضطرا للتضامن مع مؤلف (عن الروح) كلود ادريان هلڤتيوس لأن جماعة من الجهلة أدانته لأفكار لا تستحق لتفاهتها حسب فولتير الالتفات إليها أو إعطاءها تلك القيمة.

ومع ذلك فهي تدور
جاليليو جاليلي
أسطورة لتلطيف مزاج القارئ عند متابعته لقصة المحاكمة الظالمة. لكنها في الواقع كانت لتقود جاليلي نحو الهلاك.. أما الواقع فهو أن العالم قد سحب وتبرأ من كل أفكاره ليظل على قيد الحياة.

فليأكلوا الفطائر
ماري أنطوانيت
وهو ما لم تقله الملكة، بل كان أصل العبارة من كتاب جون جاك روسو اعترافات 1778

الدين أفيون الشعوب
كارل ماركس
هنا تم قص العبارة الواردة في مساهمة في نقد فلسفة الحق عند هيغل، من سياقها الذي اعتبر الدين كضرورة تاريخية.. روح عالم بلا قلب. واعتبره على الأقل خطوة في رحلة البحث.

الواحد للكل والكل للواحد
الفرسان الثلاثة
فالعبارة موجودة فعلا لكنها معكوسة: الكل مع الواحد والواحد مع الكل. بالإضافة لكونها وردت مرة واحدة، بخلاف ما ترسخ من تكرارها كلما هب الفرسان للقتال.



11‏/07‏/2014

الرجل صاحب المصباح والضفدع

By Ryan Somma




كان الباطل في قديم الزمان ضفدعا. ومع كامل الاحترام لمعشر الحيوان لكن الضفدع -أو هذا ما ترسخ في أذهاننا- مخلوق بشع وذو صوت مزعج. من لا يتبادر إلى ذهنه الباطل لذكر هذه الأوصاف؟ كمثل قصة الجاحظ مع الخاتم والمرأة.. وهذه قصة معروفة.
ولم يكن الضفدع في حاجة لأكثرمن الظلام وصوته المنكر لينفرد بسيطرته على البركة. والباطل أقصد الضفدع يرتاح لوجود أباطيل أخرى تؤنسه وتحيي معه الليل. من يفرح للظلام غير.. ضفدع!
كان الناس في قديم الزمان، أو على الأقل سكان القرية القريبة من البركة، يقصدونها لسقي أراضيهم، خائفين، يحفظون كل مرة دعاء وتعاويذ جديدة تقيهم بطش سيد البركة. كانوا يربطون بين الصوت والضخامة. لم يتخيلوا أن الضفدع الحقير الصغير هو صاحب زئير الليالي. كالباطل حتى لا ننسى.. في حجمه الحقيقي تحت نور الحقيقة.
إلى أن جاء الرجل صاحب المصباح ذات يوم. وجاء دوره في سقي الأرض. وكم ضحك الضفدع مع جماعته.. وزادت حماسة أحمقهم، فدنا من الرجل صاحب المصباح.. ثم صاح:
واق واق واق.
وانتظر.. وانتظروا.
أحس صاحبنا بالخوف في البداية، أخرج المصباح من جيبه ووجهه إلى الأعلى بحثا عن وجه العملاق.. ولاشيء، ثم وجهه نحو اليمين واليسار، قبل أن ينزل كفه نحو الأرض:
واق واق واق. ردد الأحمق.
هل غضب صاحب المصباح أم ضحك.. لكن الضفدع شاهد بأم عينيه قدم الرجل اليسرى وهي تتراجع إلى الخلف ثم تختفي برهة. ثم مباشرة في الوجه. طار الضفدع.
لذلك أود أن أسجل هنا أصل انتفاخ وجه الضفدع وجحوظ عينيه. فليست فحولة منه وبحثا عن عروس.. وليس تقلب عينيه في الجهات الأربع ثقة فيما يدعيه. بل ضربة صاحب المصباح ​